السيد محمد تقي المدرسي
83
من هدى القرآن
وكذلك فرق بين صلة الرحم وبين الكفر بسبب الرحم فالعلاقة التي تربط بين الأب وابنه إذا كانت علاقة بعيدة عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى وشكره ، فإنَّ هذه العلاقة هي علاقة الكفر وتناقص الشكر لله سبحانه ، بينما إذا كانت العلاقة هي علاقة الشفقة التي هي امتداد لعلاقة الإنسان بالله ، كأن أقول : إني أحب ابني وأساعده لأنّه نعمة من الله سبحانه ، فهنا تكون العلاقة امتدادية ، وآنئذ تصبح هذه العلاقة علاقة الرحم ، والتي يعبّر عنها القرآن فيقول : وَأَقْرَبَ رُحْماً والكلمتان الأخيرتان جاء بهما القرآن لتتقابل مع الكلمتين الأوليتين ، فالزكاة والرحم في مقابل الطغيان والكفر . بين المصلحة العامة والخاصة الأحكام الشرعية عموماً ليست محصورة بمصلحة الأفراد ، وإنما هي متجهة إلى المصلحة العامة ، والمصلحة العامة هي : مصلحة الأفراد مجتمعين ، بينما المصلحة الخاصة هي : مصلحة الأفراد منفصلين ، ومن الطبيعي أن تتفوق مصلحة الأفراد مجتمعين على مصلحة الأفراد منفصلين ، وبصورة خاصة عند التعارض ، فمثلًا مصلحة مليون إنسان أهم من مصلحة خمسة أفراد . وعندما نقول المصلحة العامة فنحن نقصد بها مصلحة البشر ، وليس من المعقول أن يترك الإسلام مصلحة البشر ككل من أجل مصلحة أفراد قلائل . إن الثقافة الرأسمالية التي تؤكد على المصلحة الفردية هذا التأكيد المبالغ فيه ، إنما هي ثقافة استغلالية يبرر بها المنحرفون الجشعون استثمارهم للآخرين ، وسيطرتهم اللامشروعة عليهم ، وأنهم ينادون بالملكية وبالمصلحة الفردية . إن الخير والشر لا يقاسان بالفرد ، بل يقاسان بالمجموع ، الخير هو ما ينفع الناس ، والشر ما يضر الناس ، فإذا نفعني شيء وضر الآخرين فهو شر ، ومفهوم الكلمة منذ البداية مفهوم شامل جماعي ، ولا ريب أن كل شر في العالم ينفع شخصاً ما ، فهل يتبدل مفهوم الشر لأنه ينفع شخصاً واحداً أو مجموعة صغيرة من أبناء المجتمع الإنساني ؟ ! . وربما تكون الآيات الكريمة دالة على هذه الحقيقة وهي : إن المصلحة حقاً والمنفعة صدقا إنما هما بالقياس إلى المجموع ، وأن الأحكام الشرعية لا تعطي صفات مطلقة لبعض المفاهيم ، فالملكية الفردية ليست سداً أمام الإسلام ، وكذلك حرمة الأفراد ، علماً باني لا أنفي اهتمام الإسلام بالملكية ، ولكنه محدود بمصالح الآخرين ، وعندما يبدأ الضرر بالآخرين فإن حرمة الملكية تنتهي .